|
|
 |
|
 |
|
امرأة المتناقضات |
حنان بديع
لماذا نتشبث بأجسادنا؟ لاأعرف لماذا فكرت بعيني لتصبحا بعد وفاتي ملكاً للجنة التبرع بالأعضاء.. ربما لأنني اعتبرهما أغلى وأعز وأجمل ما أملك ويملك أي إنسان.. وربما لأن العيون توحي بالنور والمعرفة وتتصل عميقا بخفايا الروح، لكن ليست العيون أهم من أعضاء أخرى اذا ما تضررت وفقدناها فقدنا معها حياتنا ..فزيارة أو نظرة فاحصة لعدد من حالات الفشل الكلوي أو تصور معاناة أشخاص بحاجة الى زرع عدة أعضاء كالقرنية والقلب والكبد والعظام والأنسجة تبدو كافية -مع قليل من التأمل -لنشعر بمعاناة الآخرين ممن كان لهم القدر بالمرصاد، لكن تبني هذا الموقف الإنساني لم يكن كافيا لاقناع بعض من الأهل والأصدقاء ممن كان لديهم وجهة نظر أخرى ترى أن معاناة البعض هي أمر مقدر من اللَّه، وليس لنا أن نتبرع بجسد منحنا اياه ولا نملكه، لكن هذه الرؤية المعارضة لم تكن أيضاً كافية لاقناعي بعدم شرعية الموضوع فما جدوى الطب اذا ما استسلمنا لوحشية الألم والمرض. هذا الموضوع الذي رفعته شعارا مؤسسة حمد الطبية بحملتها الوطنية التي انطلقت في شهر فبراير 2003 لحث الجمهور على التبرع بالأعضاء، وهذه الحملة التي تخاطب بشكل خاص أهالي المتوفين دماغيا والذين قد يصل عددهم الى 36 حالة كل عام، حملت راية التوعية في قضية مازالت عالقة في مجتمعنا رغم أن الطب والشرع حسما الموضوع. إنما بقيت ندرة الأعضاء البشرية اللازمة لزراعتها في أجساد المرضى بدل التالفة تمثل إشكالية كبرى تعرقل جهود المؤسسة. ولأن الوفاة الدماغية مبدأ طبي ثابت، فإن الوعي بهذه الحقيقة أصبح ضرورة لزوال الشكوك واطمئنان الأهالي إلى عملية التبرع بأعضاء ذويهم في حالة الوفاة الدماغية، التي تعادل الوفاة الشرعية والتي مازلنا نفتقر إلى الوعي والمعرفة بتفاصيلها، نظرا لخلفيتنا الثقافية والاجتماعية والتي ربما لم تتفاعل وتتناغم بعد مع هذه الثقافة الطبية الجديدة أو المستجدة. الواقع ان اللجنة تقوم بعملها على أكمل وجه، لكن يبقى أن نفتح عقولنا وقلوبنا لنتفاعل بشكل إيجابي مع هذه الجهود بملء استمارات التبرع بالأعضاء عقب الوفاة لصالح أولئك المتألمين أو دعم هذه الجهود بالتبرعات المالية. وبعيدا عن كل ما سبق.. أتفهم لماذا الاصرار على التشبث بالحياة، لكن لا أفهم لماذا التشبث بأجسادنا بعد الموت وكأننا خالدون.. ألا تبدو فكرة المنح والعطاء فكرة نبيلة يمكننا استثمارها ليبقى شىء من أثرنا نابضا على هذه الأرض.. بدلا من ان تتغدى على أجسادنا بطون البحور أو ديدان الأرض.. فقط تأملوا هذه الحقيقة الحلوة المرة.. واختاروا مذاق النهاية التي تفضلون. |
نقلا عن الراية القطرية
موقع الشاعرة حنان بديع
|
|
|
|
|
|